طيران الرياض: كيف تبني السعودية ناقلها الجوي الثاني لتصبح مركزاً عالمياً للطيران بحلول 2030
طيران الرياض: كيف تبني السعودية ناقلها الجوي الثاني لتصبح مركزاً عالمياً للطيران بحلول 2030
مقدمة: من فكرة إلى واقع يحلّق في السماء
في مارس 2023، أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن إطلاق طيران الرياض (Riyadh Air)، الناقل الوطني الثاني للمملكة العربية السعودية بعد الخطوط السعودية، بدعم كامل من صندوق الاستثمارات العامة (PIF) بصفته المالك الوحيد للشركة. بعد أكثر من ثلاث سنوات من التخطيط وبناء العلامة التجارية وتوقيع عقود الطائرات، تحوّل المشروع أخيراً إلى واقع تشغيلي، ليصبح واحداً من أبرز الرهانات الاستراتيجية ضمن رؤية السعودية 2030.
الجدول الزمني: من أول طائرة إلى أول رحلة تجارية
- يونيو 2023: كشف طيران الرياض عن هويته البصرية الأولى (Livery) على طائرة بوينج 787-9 خلال قمة النقل الجوي العالمي في إسطنبول، وحصل على رمز الناقل “RX” من الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA).
- يونيو 2023: تسلّم الشركة أول طائرة من طراز Boeing 787-9، وحصولها على الترخيص الاقتصادي للنقل الجوي من الهيئة العامة للطيران المدني (GACA).
- يونيو 2023: توقيع اتفاقية لتزويد 39 طائرة بوينج 787-9 بـ 90 محركاً من طراز GEnx-1B خلال معرض باريس الجوي.
- أكتوبر 2025: تسيير أول رحلة غير تجارية (غير مخصصة للجمهور) بين الرياض ولندن، اقتصرت على موظفي الشركة وصندوق الاستثمارات العامة.
- 5 يونيو 2026: تسلّم أول طائرتين فعليتين من طراز Boeing 787-9 Dreamliner ضمن أسطول الشركة المملوك فعلياً، تلتها طائرة ثالثة بعد يومين فقط.
- 10 يونيو 2026: انطلاق أول رحلة تجارية رسمية بين مطار الملك خالد الدولي بالرياض ومطار هيثرو بلندن، بعد تقديم الموعد نحو ثلاثة أسابيع عن الخطة الأصلية (1 يوليو).
- يونيو–يوليو 2026: توسّع سريع للشبكة لتشمل دبي، جدة، القاهرة، مدريد، مانشستر، ثم مالقة وكوالالمبور، ليصل عدد الوجهات المشغّلة إلى نحو 9 وجهات بحلول منتصف أغسطس 2026.
الأسطول: استثمار ضخم في الطائرات بعيدة المدى
يعتمد طيران الرياض في مرحلته الأولى بالكامل على طائرات Boeing 787-9 Dreamliner، بتكوين مقاعد يبلغ 290 مقعداً موزعة على أربع درجات: الأعمال المميزة (Business Elite)، الأعمال، الاقتصادية الممتازة، والاقتصادية. أما على المدى الطويل، فتشمل طلبيات الشركة:
- 72 طائرة من طراز Boeing 787-9 (طلبية ثابتة وحقوق شراء إضافية).
- 60 طائرة من طراز Airbus A321neo للرحلات متوسطة المدى.
- 25 طائرة من طراز Airbus A350-1000 للرحلات بعيدة المدى، مع حقوق شراء 25 طائرة إضافية.
- خطط لاستقبال 10 طائرات إجمالاً بحلول نهاية 2026، على أن يصل الأسطول إلى 8 طائرات بوينج 787 بحلول أوائل أغسطس من العام نفسه.
طموح 100 وجهة: أين تتجه الخريطة؟
يستهدف طيران الرياض تشغيل رحلات إلى أكثر من 100 وجهة حول العالم بحلول عام 2030، أي ما يعادل توسعاً بمقدار أربعة أضعاف شبكته الحالية خلال أربع سنوات فقط. ووفق ملف حجوزات المسارات (Slots) الذي قدّمته الشركة لموسم صيف 2026، طلبت الشركة 5,591 حركة إقلاع وهبوط من مطار الملك خالد الدولي، شملت وجهات مثل عمّان، بانكوك، جاكرتا، إسلام آباد، كوالالمبور، لاهور، مانيلا، مومباي، وباريس، إلى جانب الوجهات المُطلقة فعلياً.
من اللافت أن 12 من أصل 15 وجهة مبدئية كانت مخدومة أصلاً من الرياض عبر الخطوط السعودية، ما يعني أن طيران الرياض يدخل في منافسة مباشرة مع الناقل الوطني الأول قبل أن يفتح خطوطاً جديدة بالكامل، بينما لم تكن سوى ثلاث وجهات فقط (مدريد، مانشستر، جاكرتا) غير مخدومة من قبل من العاصمة السعودية.
كما تخطط الشركة للتقدم بطلب تصريح تشغيل في الولايات المتحدة، تمهيداً لإطلاق رحلات عبر الأطلسي قبل معرض إكسبو 2030 وكأس العالم 2034.
الشراكات والتحالفات: بناء شبكة عالمية دون الانتظار لعقود
لتسريع اتساع شبكته دون الحاجة لعقود من البناء العضوي، وقّع طيران الرياض اتفاقيات تعاون مع أعضاء في تحالفي سكاي تيم (SkyTeam) — مثل دلتا، الصينية الشرقية، الخطوط السعودية، إير فرانس-كليم، وفيرجن أتلانتيك — وأعضاء في ستار أليانس (Star Alliance) مثل الخطوط التركية، سنغافورة إيرلاينز، طيران الصين، طيران الهند، ومصر للطيران. هذه الشراكات تتيح للناقل الجديد الوصول إلى شبكات عالمية واسعة عبر اتفاقيات الرمز المشترك (Codeshare) بدلاً من انتظار تطوير كل خط بشكل مستقل.
طيران الرياض ودوره ضمن رؤية 2030
يُعد طيران الرياض أحد أبرز المشروعات الرائدة ضمن الاستراتيجية الوطنية للطيران التابعة للهيئة العامة للطيران المدني (GACA)، التي تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي رائد للطيران والخدمات اللوجستية بحلول 2030. وتشمل أهم أهداف هذه الاستراتيجية:
- الوصول بعدد المسافرين سنوياً إلى 330 مليون مسافر، مقارنة بنحو 110-128 مليون مسافر حالياً (ارتفاع يقارب الضعف إلى ثلاثة أضعاف).
- ربط المملكة بأكثر من 250 وجهة عالمية.
- رفع الطاقة الاستيعابية للشحن الجوي من نحو 0.8 مليون طن إلى 4.5 مليون طن سنوياً، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 17%.
- جذب استثمارات تصل إلى 100 مليار دولار من القطاعين العام والخاص بحلول 2030.
- رفع مساهمة قطاع الطيران في الناتج المحلي الإجمالي إلى ما بين 74.6 مليار دولار (نحو 75 مليار ريال سعودي)، ارتفاعاً من 21.3 مليار دولار حالياً.
- خلق أكثر من مليون فرصة عمل، من بينها 200 ألف وظيفة مباشرة.
- تحسين ترتيب المملكة في مؤشر الأداء اللوجستي العالمي من المركز 49 إلى المركز 10.
- بناء مطارين عملاقين جديدين في الرياض وجدة، بطاقة استيعابية تصل إلى 100 مليون مسافر سنوياً لكل منهما.
وبحسب بيانات عام 2024، سجّلت المطارات السعودية استقبال أكثر من 128 مليون مسافر، بزيادة سنوية بلغت 15%، مع تسجيل 905 آلاف حركة طيران، وارتفاع حجم الشحن الجوي بنسبة 34% ليتجاوز 1.2 مليون طن. هذه الأرقام تمثل نقطة انطلاق قوية نحو تحقيق مستهدفات 2030.
المنافسة الإقليمية: مواجهة “الثلاثي الخليجي الكبير”
يدخل طيران الرياض سوقاً شديدة التنافسية تهيمن عليها منذ عقود شركات مثل طيران الإمارات، والخطوط القطرية، والاتحاد للطيران، إضافة إلى الناقل الوطني السعودي “السعودية”. ورغم أن الشركة تواجه تحديات مثل تأخر بعض تسليمات الطائرات (تأجل برنامج طائرات Airbus A320 إلى أواخر 2026)، إلا أنها تدخل المنافسة بأسطول حديث تماماً، وتصميم مقصورات جديد، ودعم مالي شبه غير محدود من صندوق الاستثمارات العامة، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية نادراً ما تتوفر لشركة طيران ناشئة.
تجربة رقمية بالكامل: طيران أصلي رقمياً (Digitally Native Airline)
يروّج طيران الرياض لنفسه كأول ناقل “أصلي رقمياً” في المنطقة، حيث يتم ربط الحجز، وتسجيل الوصول، وتتبع الأمتعة، والخدمة داخل الطائرة، عبر تطبيق واحد متكامل. كما أطلقت الشركة برنامج الولاء الخاص بها تحت اسم “سفير” (Sfeer)، الذي يمنح الأعضاء نقاطاً لا تنتهي صلاحيتها، وخدمة إنترنت لاسلكي مجانية من البوابة إلى البوابة (Gate-to-Gate Wi-Fi).
خلاصة: رهان استراتيجي بحجم رؤية دولة
يمثّل طيران الرياض أكثر من مجرد شركة طيران جديدة؛ فهو أداة استراتيجية ضمن جهود المملكة لتنويع اقتصادها بعيداً عن النفط، وتحويل الرياض إلى نقطة عبور عالمية بين الشرق والغرب، ورفع مساهمة قطاعي السياحة والخدمات اللوجستية في الناتج المحلي الإجمالي. النجاح في تحقيق هدف الـ 100 وجهة بحلول 2030، إلى جانب مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للطيران الأوسع (330 مليون مسافر و250 وجهة)، سيحدّد ما إذا كانت السعودية قادرة على الانضمام إلى الإمارات وقطر كقوة طيران عالمية رائدة خلال العقد الحالي.
المصادر
- Wikipedia – Riyadh Air
- Arab News (arabnews.com)
- Aviation Week
- Aerospace Global News
- GACA – الهيئة العامة للطيران المدني السعودية (gaca.gov.sa)
- International Finance Magazine
- Oliver Wyman Insights
- Wego Travel Blog
- Travel And Tour World
- Vision2030.ai
للاستفسارات أو الأسئلة، يمكنكم التواصل عبر البريد الإلكتروني: salmangul@hotmail.com
Read this article in English: Click here: https://www.salmangul.com/saudi-arabia-emerging-2026/
Reach out to me on my LinkedIn: https://www.linkedin.com/in/salmangullinkedin/
